الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ ليلة سبع وعشرين من أرجى الليالي في العشر أنْ تكون ليلة القدر، كما في مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال عن ليلة القدر: «هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا»([1]).
ولكنها لا تتعيَّن فيها، بل تكون في غيرها أيضًا كما يفيده مجموع الأحاديث.
وهذه الليلة جديرةٌ باستغلالها فيما يقرِّب إلى الله تعالى من القيام والذِّكْر والدُّعاء والصَّدقة والتلاوة والكلمة الطيبة وصدق الجوء إلى الله تعالى وحسن الظن به والتوبة النصوح وطول الاستغفار وطلب العفو والمغفرة من الله تعالى.
وإنَّ تضييعَها والجرأة فيها على معصية الله تعالى، مِن ظُلم النفس، وتعريضها للشقاء.
وهل يظلم الإنسان نفسه؟. الجواب: نعم قال الله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70]. وقال سبحانه: {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]. وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]
ومِن ظُلم النفس: ارتكاب ما حرم الله مِن تَرْك واجبٍ أو فِعْل مُحرّم، وتَعدِّي حدود الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1].
ومن ظلم النفس: الإضرار بالآخرين، وظُلمهم. كما قال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231]
قال العلامة العثيمين رحمه الله: وفي الآية فوائد:
منها: تحريم إمساك المطلقة - أي مراجعتها - للإضرار بها.
ومنها: أنّ كلّ مَن عامَل أخاه ضرارًا فهو معتدٍ؛ فلا يحلّ لأحدٍ أنْ يُعامل أخاه المسلم على وجهِ المضارَّة؛ وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، فالمضارَّة بين المسلمين محرَّمة.
ومنها: تحريم ظلم الإنسان لنفسه.
ومنها: أنَّ مَن ظلمَ غيرَه بعدوانه عليه فقد ظلم نفسه في الحقيقة؛ لأنَّ الظالم إذا لم يتخلَّص من الظلم في الدُّنيا فسوف يؤخذ من حسناته للمظلوم في الآخرة؛ فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم؛ فطُرحت عليه، ثم طرح في النار»([2]).
وأشار الشيخ رحمه الله إلى بعض مفاسد ظلم النفس بالإضرار بالآخرين، وتتلخص فيما يلي:
أولا: أنَّ مَن ظلمَ غيرَه بالقول والفعل أو بأحدهما فلابد أن يُقتَصَّ له منه.
ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ»([3]).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»([4]).
وعن سلمان رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يجيءُ الرّجل يوم القيامة من الحسنات ما يظن أنه ينجو بها، فلا يزال يقومُ رجلٌ قد ظلَمه مظلمةً، فيُؤخذ مِن حسناته؛ فيُعطى المظلوم حتى لا تبقى له حسنة، ثم يَجيءُ مَن قد ظلمه؛ ولم يبقَ مِن حسناته شيء، فيؤخذ من سيئات المظلوم فتوضع على سيئاته»([5]).
ثانيًا: ربَّما دعا المظلومُ على ظالمِه فهلَك، فإنَّ للمظلوم دعوةً مستجابة، كما قال النبيُّ ﷺ لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: «وإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»([6]).
وأخرج البخاري من طريق أسلم العدوي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ المُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ»([7]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا يُردّ لهم دعوة: الصائمُ حتى يفطر، وإمام عادل، ودعوةُ المظلوم يَرفعُها اللهُ فوقَ الغَمام ويفتحُ لها أبوابَ السموات فيقول الربّ وعِزَّتـي لأنصُرنَّك ولَو بعْدَ حِين»([8]).
وفي روايةٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ -لَا شَكَّ فِيهِنَّ- : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ ودعوة الوالد على وَلَدِهِ»([9]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب»([10]). وفي رواية عن أبي هريرة «وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ»([11]).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقُوا دَعْوةَ المظلُوم، فإنَّها تصعدُ إلى السَّماء كأنَّها شَرَار»([12]).
ولخطورة دعوة المظلوم، روى عبدالله بن سرجس رضي الله عنه أنَّ نبي الله ﷺ كان إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال»([13]).
ونختم درسَنا هذا بقول الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم إنا نعوذ بك من القلة والفقر والذلة، ونعوذ بك أن نَظلم أو نُظلم.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا.
والحمد لله رب العالمين.